نبوءة فارس والعرب: هل تؤجج إسرائيل الحرب بينهما لتحقيق الخلاص الموعود؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة 30 أكتوبر 2026
تحتل النبوءات مكانة عميقة في العقيدة اليهودية، فقد أسهمت عبر القرون في تشكيل التصورات الدينية عن التاريخ والمصير والخلاص وعودة المخلّص المنتظر. وفي بعض المدارس الدينية اليهودية، لا تُقرأ الحروب الكبرى باعتبارها صراعات سياسية عابرة، بل أحداثاً مرتبطة بمراحل الخلاص الإلهي. ومن بين هذه التصورات نبوءة بالغة الخطورة تتحدث صراحة عن مواجهة بين فارس والعرب تسبق ظهور المخلّص. وهي نبوءة تستحق الفحص اليوم، خصوصاً مع سعي إسرائيل إلى حشد دول الخليج في مواجهة إيران.
وردت هذه النبوءة في كتاب «يلقوط شمعوني» (Yalkut Shimoni)، في تفسير سفر إشعيا، الفقرة 499، وهو من أشهر مجموعات التفسيرات الحاخامية اليهودية التي جمعت روايات قديمة عن التاريخ والخلاص.
ينسب النص إلى الحاخام إسحاق قوله إن السنة التي يظهر فيها الملك المخلّص ستشهد استفزاز الملوك بعضهم لبعض، وإن ملك فارس سيستفز ملكاً عربياً، فيذهب الملك العربي إلى آرام طلباً للمشورة، ثم يعود ملك فارس فيُحدث خراباً عظيماً في العالم، وترتعد الأمم وتصيبها حالة من الذعر والخوف.
ثم تأتي النهاية التي تمنح النبوءة أهميتها العقائدية؛ إذ يخاف بنو إسرائيل ويسألون عن مصيرهم، فيأتيهم الوعد الإلهي بألا يخافوا، وأن زمن خلاصهم قد حان، وأن الخلاص الأخير لن تعقبه عبودية للأمم الأخرى.
هنا يظهر جوهر النبوءة: مواجهة بين فارس والعرب، ثم تدخل قوى أخرى، واضطرابات عالمية، وفي النهاية خلاص إسرائيل.
فهل يمكن أن تتحول هذه الرواية الدينية إلى تصور سياسي يشجع بعض المتطرفين على تأييد الحرب بين إيران ودول الخليج، باعتبارها مقدمة لتحقيق الخلاص المنتظر؟
الأهمية ليست في قدم النص وحده، بل في استمرار استحضاره وربطه بأحداث سياسية معاصرة.
ففي أغسطس 1990، عقب احتلال العراق للكويت، استشهد الحاخام مناحيم مندل شنيرسون، زعيم حركة حباد اليهودية، بهذه الرواية، وفسّر ملك فارس بأنه صدام حسين، والملك العربي بأنه الكويت، وآرام بأنها القوة الأمريكية التي لجأت إليها الكويت طلباً للمساعدة.
وهذه واقعة شديدة الأهمية؛ إذ تكشف كيف انتقلت النبوءة من التراث الحاخامي إلى تفسير حرب الخليج، وكيف أمكن اعتبار صراع عربي إقليمي علامة دينية على اقتراب الخلاص.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، عاد النص نفسه إلى الظهور مع تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل.
ففي 17 فبراير 2026، نشر الحاخام جوش واندر مقالاً بعنوان «فارس تنهض، وأدوم ترتعد، وإسماعيل يزأر»، ربط فيه نص يلقوط شمعوني بالمشهد الإقليمي، وجعل إيران تمثل فارس، والعالم العربي والإسلامي يمثل أبناء إسماعيل، والقوة الغربية تمثل أدوم.
وفي 19 يونيو 2026، أعاد الحاخام شموئيل إلياهو، الحاخام الأكبر لمدينة صفد، استحضار النبوءة في مقال نشره موقع «إسرائيل ناشيونال نيوز»، وربطها بالحروب المعاصرة وعلامات اقتراب الخلاص اليهودي.
إذن نحن أمام نص لم يمت في المكتبات، بل يستدعيه رجال دين معاصرون لتفسير الصراعات العسكرية القائمة.
والأكثر إثارة أن التفسير يتغير بتغير الحروب. ففي عام 1990 جرى تطبيق النبوءة على العراق والكويت، وفي عام 2026 أُعيد ربطها بإيران والعرب. وهذا يثبت أن التفسير المعاصر قادر على نقل الشخصيات القديمة من دولة إلى أخرى، تبعاً للصراع الذي يريد صاحبه تفسيره.
والآن ننتقل من النص الديني إلى السياسة الإسرائيلية.
في 31 مارس 2026، نقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن نتنياهو قوله خلال اجتماع حكومي إن إسرائيل تعمل على تشكيل تحالفات مع دول عربية تتحدث عن القتال إلى جانبها.
وأضاف، وفق التقرير، أنه سبق أن حذر قادة عرباً من أن إيران ستسعى إلى غزو دولهم وإسقاط أنظمتهم متى استطاعت.
وهنا نرى تقاطعاً لافتاً بين التصور الديني والخطاب الاستراتيجي: نبوءة تتحدث عن مواجهة فارس وملك عربي، وسياسة إسرائيلية تسعى إلى تعبئة الدول العربية ضد إيران، مع الاستعانة بالقوة الأمريكية.
ولا يعني هذا التقاطع أن نتنياهو يتخذ قراراته العسكرية استناداً إلى النبوءة؛ فذلك يحتاج إلى دليل مباشر. لكن المؤكد أن المشروع السياسي الإسرائيلي المعلن يلتقي في بعض نتائجه المحتملة مع المشهد الذي يستحضره مفسرو النبوءة.
كيف يمكن تحويل هذا التقاطع إلى مكسب استراتيجي؟
تبدأ العملية بتصوير إيران باعتبارها تهديداً وجودياً للعرب، ثم الدفع نحو تحالف أمني يجعل إسرائيل شريكاً ضرورياً في مواجهتها. وإذا اندلعت حرب مباشرة بين إيران ودول الخليج، فإن إسرائيل تستطيع الاستفادة من استنزاف الطرفين، بينما تتحمل المنطقة العربية أضرار الطاقة والتجارة والبنية التحتية.
وفي المرحلة التالية، يصبح التدخل العسكري الأمريكي ضرورة لحماية الخليج وإدارة الحرب، فتزداد التبعية الأمنية، وتتسع سوق التسليح، وتتراجع قدرة الدول الإقليمية على بناء توازن مستقل عن إسرائيل والولايات المتحدة.
وهذا المسار لم يبق افتراضاً خالصاً. فقد كشفت رويترز في 16 مارس 2026 أن واشنطن كانت تضغط على دول الخليج للمشاركة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، بينما كانت الحكومات الخليجية تخشى الانجرار إلى مواجهة أوسع، رغم تعرض أراضيها لهجمات إيرانية.
والسؤال هنا: لماذا ينبغي أن تنتقل الحرب بين إسرائيل وإيران إلى حرب عربية إيرانية شاملة، بينما تكون دول الخليج من أكبر المتضررين اقتصادياً وأمنياً؟
إذا كانت إسرائيل ترى في إيران خطراً على أمنها، فذلك لا يجعل تحويل الخليج إلى جبهة قتال إسرائيلية مصلحة عربية بالضرورة.
وهنا تتضح خطورة النبوءة عندما تتحول إلى أداة لتفسير السياسة. فالمؤمن المتشدد الذي يرى في حرب فارس والعرب مقدمة للخلاص قد يتعامل مع التصعيد باعتباره تحقيقاً لمشيئة إلهية، بينما يرى المخطط الاستراتيجي في الحرب فرصة لإضعاف القوى المحيطة بإسرائيل.
وتلك نقطة الالتقاء الأخطر: الدين يوفر لدى بعض المتطرفين مبرر الحرب، والسياسة توفر الوسائل العسكرية والاقتصادية لتحقيقها.
لكن لماذا يدفع العرب ثمن مواجهة قد يتصور بعض المتطرفين الدينيين أن نهايتها ستكون خلاصاً لإسرائيل؟
إن الحرب بين إيران والخليج لن تكون مجرد اشتباك محدود. فالمواجهة تهدد مضيق هرمز، وحقول الغاز والنفط، ومحطات تحلية المياه، والموانئ والمطارات، وشبكات الكهرباء والصناعات البتروكيماوية. وستكون آثارها المباشرة على دول المنطقة أعمق بكثير من آثارها على القوى الخارجية.
وفي المقابل، تستطيع إسرائيل الاستفادة سياسياً من تراجع القدرات الإيرانية، ومن انشغال الدول العربية بتأمين حدودها واقتصاداتها بدلاً من التركيز على القضية الفلسطينية أو بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة.
لهذا فإن أخطر احتمال استراتيجي ليس الحرب نفسها، بل تحويل الخلاف العربي الإيراني إلى صراع دائم يجعل إسرائيل مركز التحالفات الأمنية الجديدة، ويمنحها دوراً متقدماً في تقرير مستقبل الخليج.
لقد وصفت النبوءة القديمة مواجهة فارس وملك عربي بوصفها مقدمة لأحداث تنتهي بالخلاص الإسرائيلي. أما السياسة المعاصرة فتفتح أمامنا سؤالاً لا يقل خطورة: هل يمكن أن يسهم من يؤمنون بهذه النبوءة، أو من يجدون في نتائجها مكاسب استراتيجية، في دفع المنطقة نحو حرب تشبه المشهد الذي ينتظرونه؟
إن العرب وإيران ليسوا ملزمين بالتحرك داخل قصة كتبها مفسرون قبل قرون، ولا بأن يمنحوا أي مشروع سياسي فرصة تحويل تلك القصة إلى واقع.
والدرس الذي يجب أن تستوعبه دول الخليج أن أمنها لا يتحقق بالدخول في حروب تختار إسرائيل توقيتها وأهدافها، بل بمنع تحويل التنافس مع إيران إلى مواجهة وجودية تستنزف الجميع.
فالمستفيد من استنزاف فارس والعرب معاً قد لا يكون فارس ولا العرب، وإنما الطرف الذي يريد إعادة تشكيل المنطقة بعد أن تضعف قواها الرئيسية.
وهذا هو جوهر القضية: لا تسمحوا لمن ينتظر حرب فارس والعرب بوصفها مقدمة لخلاصه أن يجعل مستقبل الخليج ثمناً لتحقيق نبوءته.
المصادر والمراجع: يلقوط شمعوني، تفسير إشعيا، الفقرة 499، مكتبة سفاريا؛ حركة حباد، تفسير نبوءة فارس والعرب خلال أزمة الكويت عام 1990؛ الحاخام جوش واندر، The Jewish Edition، 17 فبراير 2026؛ الحاخام شموئيل إلياهو، Israel National News، 19 يونيو 2026؛ تايمز أوف إسرائيل، تصريحات نتنياهو، 31 مارس 2026؛ رويترز، 16 مارس 2026. بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment